سيد محمد طنطاوي
71
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
مصدرا كالشكور والكفور ، فإن كان جمعا فمعنى قوله * ( حُسُوماً ) * : نحسات حسمت كل خير ، واستأصلت كل بركة . أو : متتابعة هبوب الرياح ، ما خفتت ساعة حتى أتت عليهم ، تمثيلا لتتابعها بتتابع فعل الحاسم في إعادة الكلى على الداء ، كرة بعد كرة حتى ينحسم . وإن كان مصدرا ، فإما أن ينتصب بفعله مضمرا ، أي : تحسم حسوما ، بمعنى تستأصل استئصالا . أو يكون صفة كقولك : ذات حسوم . . « 1 » . أي : أرسل اللَّه - تعالى - على هؤلاء المجرمين الريح التي لا يمكنها التخلف عن أمره ، فبقيت تستأصل شأفتهم ، وتخمد أنفاسهم . . * ( سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً ) * أي : متتابعة ومتوالية حتى قطعت دابرهم ، ودمرتهم تدميرا . وقوله : * ( حُسُوماً ) * يصح أن يكون نعتا لسبع ليال وثمانية أيام ، ويصح أن يكون منصوبا على المصدرية بفعل من لفظه ، أي : تحسمهم حسوما . ثم صور - سبحانه - هيئاتهم بعد أن هلكوا فقال : * ( فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ ) * . والخطاب في قوله * ( فَتَرَى . . ) * لغير معين . والفاء للتفريع على ما تقدم والضمير في قوله * ( فِيها ) * يعود إلى الأيام والليالي . أو إلى مساكنهم . وقوله : * ( صَرْعى ) * أي : هلكى ، جمع صريع كقتيل وقتلى ، وجريح وجرحى . والأعجاز جمع عجز ، والمراد بها هنا جذوع النخل التي قطعت رؤسها . وخاوية ، أي : ساقطة ، مأخوذ من خوى النجم ، إذا سقط للغروب أو من خوى المكان إذا خلا من أهله وسكانه ، وصار قاعا صفصفا . بعد أن كان ممتلئا بعمّاره . أي : أرسل اللَّه - تعالى - على هؤلاء الظالمين الريح المتتابعة لمدة سبع ليال وثمانية أيام ، فدمرتهم تدميرا ، وصار الرائي ينظر إليهم فيراهم وقد ألقوا على الأرض هلكى ، كأنهم في ضخامة أجسادهم . . . جذوع نخل ساقطة على الأرض ، وقد انفصلت رؤسها عنها . وعبر - سبحانه - بقوله : * ( فَتَرَى الْقَوْمَ . . . ) * لاستحضار صورتهم في الأذهان ، حتى يزداد المخاطب اعتبارا بأحوالهم ، وبما حل بهم . والتشبيه بقوله : * ( كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ ) * المقصود منه تشنيع صورتهم ، والتنفير من
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 598 .